نظرية الانعكاس والفنون

 

سافو ستيانوف: فيلسوف، في أكاديمية الأداب السوفييتية



alt

ذات الفن وموضوع الفن:
توضح النظرية المادية حول الانعكاس بعض المبادئ الفلسفية التي تشرح طبيعة الوعي والية وطابع ادراك الواقع. وتشكل العقائد الأساسية لهذه النظرية القاعدة النظرية لمعرفة الخواص النوعية للفن، باعتباره شكلاً معيناً لادراك الواقع. فالعلاقة المتبادلة بين القوانين الأساسية العامة للمعرفة، والطريقة التي تتجلى بها في الفن هي علاقة متبادلة بين العام والخاص. ان نظرية الفن، تبين فرادة الانعكاس الفني المجازي للواقع وتلقي الضوء على تلك الخصائص التي تميز الفن عن الأشكال الأخرى من الوعي الاجتماعي.
تتجذر الطبيعة النوعية للانعكاس الفني –المجازي للعالم، قبل اي شيء اخر، في الخواص النوعية للظواهر المنعكسة، اي في ذات الفن (Subject of Art).
ان موضوع (Object) الفن هو العالم الحقيقي، البيئة الاجتماعية والطبيعية للانسان، في هذا المجال يتماثل الفن مع غيره من اشكال الوعي الاجتماعي. الا ان موضوع الفن وذات الفن ليسا نفس الشيء. فذات الفن، هو العالم الخارجي المدرك ضمن اشكال من النفسية البشرية. وبذا، فالتحديد يشتمل على جزأين: من جانب، هناك الواقع الموضوعي، ومن جانب اخر، ادراك هذا الواقع بأشكال معينة. وحسبما نرى، فان ميزة التحديد تكمن في طبيعته المزدوجة. ذلك أن نظرة وحيدة الجانب لمسألة الفن قد أدت الى اعطاء اهمية مطلقة اما للموضوع أو للفنان.
فالانسان هو الذات النوعية للفن كمفهوم. وبذا قد ضيق مفهوم الفن مجال علم الجمال الى درجة كبيرة.
ويبين تاريخ الفن والأدب ان ذات الفن هو الانسان ضمن نسق علاقاته الاجتماعية.. الانسان في بيئته الطبيعية والاجتماعية، وفي الفن يعيد الانسان انتاج الواقع بأكمله (الطبيعي والاجتماعي). وبذا يتأمل ذاته في العالم الذي أبدع. ويؤثر تطور العلوم والتكنولوجيا بصورة غير مباشرة في اتساع المجال الجمالي وطابع ملاحظة الانسان للعديد من ظواهر الحياة. الا ان موضوع الفن الرئيسي ليس التكنولوجيا، بل الانسان، فكره وعالمه الذهني. اما الفضاء الخارجي، سرعة الضوء التي لم يطرقها تفكير الانسان من قبل، وبالتالي تنامي قدرة الانسان على الامساك بافاق العالم الفيزيقي وبأعماق المحيطات ومجرات النجوم، كل ذلك، لا يمكن ان يغدو موضوع الفن بصورة مباشرة، انما من خلال الانسان فقط باعتباره عالم علاقات وتجارب، نشاطات ومناقب انسانية، باعتباره تفاعلات بين شخوص. انذاك فقط، تغدو اكتشافات العلوم والتكنولوجيا جزءاً من موضوع الفن، حيث تتخذ صفة تعبيرية.
ابداً لم تحتم العلوم والتكنولوجيا بصورة مباشرة تطور الفنون والاداب. اذ ليس بمقدورها الا ممارسة تأثير غير مباشر على تطور الثقافة، حيث تمدها التكنولوجيا بالقاعدة المادية. يمكن لمنجزات العلوم والتكنولوجيا ان تستخدم في النواحي التقنية من الفن، فالمواد السينثيتية، والبوليمرات قد اخلت تحسينات على الديكور المسرحي، والوسائل المادية الهائلة المتوفرة لفناني الغرافيك، بفضل التقدم الكبير في هذا المجال.
ربما تشحذ منجزات العلوم والتكنولوجيا من احاسيس الانسان وتغني خياله المبدع. يتضح هذا من اكتشاف قوى جديدة في الألوان، ومركبات او مجموعات جديدة من الألوان (في الفن الانطباعي على سبيل المثال): ومن ظهور تداعيات جديدة ومفاجئة في الفن والأدب، فتغير الواقع او مفاهيم الواقع، يغير بصورة غير مباشرة الأشكال التي يتم بها تصويره ويجدد بنية الأخيلة. فيمكن ان تتشكل انواع ادبية جديدة وتتغير العلاقات فيما بين مختلف الأجناس الفنية، ويمكن ان تنشأ اجناس فنية جديدة.
غير ان التغيرات الناشئة في مفاهيم الانسان، في رهافة احاسيسه، تتم بصورة ابطأ كثيراً عنها في الواقع ذاته وفي المفاهيم العلمية المرتبطة بالواقع، كما يتم ذلك بشكل مغاير ايضاً. فالانسان يستجيب لتغيرات الواقع ولمفاهيمه العلمية باعتباره كائناً اجتماعياً يعيش ضمن بيئة معينة وينتمي لطبقة معينة. وتنعكس المنجزات الجديدة للعلوم والتكنولوجيا بصورة غير مباشرة في التفكير والانفعالات الفنية. انها تنعكس من خلال ما تؤديه من أدوار في الحياة الاجتماعية ومن خلال أهميتها في الحياة الاجتماعية.

الفن والنفسية الاجتماعية:
يتحكم في الفن، ومن عدة طرق، مجال يحتل موقعاً وسطاً بين القاعدة الاقتصادية والأيديولوجيا، مجال النفسية الاجتماعية. ذلك أن الواقع لا يظهر للفنان مجرد عالم خارجي، بل عالم يرتبط به الانسان بتجارب عاطفية وترجم في فكره على اساس من هذه التجارب. لنعد بالذاكرة الى كلمات هيغل حول الرسم. اذ لا بد لهيغل (وهو يتحدث عن قدرة الرسم على استيعاب مجال العالم الداخلي للانسان) ان تناقضاً ما ينشأ في حقيقة أن الفنانين العظام، قد تناولوا مراراً، وبصورة رئيسية، بيئة الانسان الخارجية ذواتاً Subjects لرسوماتهم: الجبال، الوديان، السهول، الأنهار، الأشجار، الغابات، السفن، البحر، الغيوم، السماء، المباني والغرف الخ. في تلك الاعمال الفنية لم تكن هذه المواضيع بالذات هي المادة الحقيقية. كانت المادة الحقيقية هي حيويوة الفنان بمفرده، والتزامه وعواطفه التي انعكست في العمل، فلم تمثل بالتالي مجرد نسخة سطحية مبسطة لهذه المواضيع، بل وكشفت في ذات الوقت عن عالمه الداخلي.
يركز الفن في صوره وأشكاله ويجسد النفسية الاجتماعية واتجاه المشاعر العامة. وهو يعين على اظهار مشاكل العصر وحاجاته المتعددة الأوجه. فالفن مراة حساسة تعكس النفسية الاجتماعية وتطورها.
تكمن الصعوبة في اختيار القضايا المعرفية للفن في حقيقة كونها قضايا سيكولوجية في ذات الوقت. فالمحاكمة العقلانية والفكر والحقيقة تبدو في الفن ملونة بلون عاطفي. ان وحدة الفكر والوجدان، الوعي وما تحت الوعي، العقلاني والحدسي، تتغلغل في كامل المعمار الفني للعمل: ادراك الفنان للعالم، العملية الابداعية، فهم المتلقي للعمل الفني. وهذا ما يفسر بطرق عدة حقيقة ان علم الجمال يفتقر حتى هذه الأيام الى التعابير المحددة: الاسهاب في التعريفات، مواصلة النقاش حول جوهر الجمال، الظاهرة الخالدة المحيرة للفن. وبالفعل، فأية اداة بمقدورها قياس تلك العاطفة وذلك الالهام الذي يهيمن على الفنان اثناء عملية الابداع، او ذلك الاستمتاع والبهجة اللذين يثيرهما في المتلقي تذوقه الجمالي؟


بين العلم والفن:
ترى نظرية المعلومات في الفن مجموعاً اجمالياً لعدد من العناصر (الكلمة، الصوت، اللون، الظواهر المكانية الخ) تعمل بمعونة قنوات مختلفة (النظر، السمع، اللمس) كوسيلة اتصال بين الناس، وسيلة نقل المعلومات. وتختلف نماذج نقل المعلومات طبقاً لمعايير متعددة زمانية ومكانية، وزمانية-مكانية، عادية غير مألوفة، كأن تنقل معلومات جديدة، الخ. ومن خلال نماذج الاتصال هذه تظهر المعلومات كما يمكن قياسه. الا ان نظرية المعلومات تسقط من حسابها العناصر الأيديولجية والوجدانية في الفن، فتهبط بقيمة الجمال فتحيله الى تركيب ما من عناصر المعلومات كما تحيل الابداع الفني الى مركب لنماذج معينة من الاتصالات. اما ما يشمل عليه الاتصال من مضمون وجداني ومن عنصر ابداعي فردي ومن خيال ومسات نوعية اخرى تميز العمل الفني، فان هذا يسقط من حساب النظرية اثناء تحليل الفن.
قد تنفع نظرية المعلومات رديفاً لعلم الجمال، الا انها لا تستطيع الادعاء بأنها النظرية الجمالية المعاصرة، ذلك ان الادراك الحسي للفنان والمتلقي لا يحمل في طياته معلومات يمكن قياس كميتها وحسب، بل يتضمن ايضاً قدرة تحويل نوعي-تقييم عاطفي وتجسيم حسي للعالم الحقيقي. فالفن، لا يمكن الهبوط بقيمته الى مجرد معلومات، لأنه يطرح مسائل امام الانسان يوفر له المتعة ويحسم مواقفه الوجدانية ازاء العالم. لا حاجة بنا للقول ان الصورة الفنية ليست انعكاساً في مراة او نسخة فوتوغرافية لحقائق الواقع وظواهره. فالواقع الموضوعي يمد الفنان من خلال الملاحظات والانطباعات وبمعونة الذاكرة الوجدانية بالمواد اللازمة لابداع الأخيلة الفنية. ويحول الفنان المادة التي يتناولها من الحياة طبقاً لنظرته الطبقية ولفهمه للقوانين المتحكمة في الواقع الموضوعي.
فالفن يجد ذاته (Subject) في طابع وجوهر العملية الملموسة لتفاعل الانسان مع واقعه، ويتجلى هذا التفاعل بشتى الأشكال التي يعبر عنها في علم الجمال بمقولات (الجميل، البديع، البطولي، التراجيدي، الهزلي، وما الى ذلك)، اما بالمقولة على حدة، او بتركيب من مقولات. تمثل المقولات الجمالية الأأساسية التفسير والتصميم النظري لطابع تفاعل الانسان مع العالم الحقيقي. الا انها تكشف ايضاً عن عوامل وظيفة الفن الاجتماعية، وبالنتيجة اذا جاءت الصورة المعرفية العادية انعكاساً حقيقياً للموضوع، فان الصورة الفنية تأتي من ثم ثمرة ادراك الانسان للوجود اثر تقييمه، ثمرة ادراكه وتقديره الذاتيين للموضوع. وبكلمات، فان موضوع الادراك يتكرر في الفن والعلوم، انه العالم الخارجي، غير ان ذات ادراك الفن واستيعابه تختلف عن ذات العلم.
فالادراك في الفن سيرورة لا تكشف القوانين الطبيعية وروابط الظواهر، بل تكشف معنى هذه الظواهر والقوانين بالنسبة للانسان. اما العلم فيحاول ان يتفهم جوهر الظواهر بغض النظر عن الموقف الذاتي للانسان من هذه الظواهر.
الفن يكشف عن العلاقة بين الانسان وجوهر الظواهر، ومن المهم ايضاً ان نعي فروقات معرفية معينة في كل من مضمون العلم والفن، فبينما الحقيقية الموضوعية تشكل المضمون المعرفي للعلم، فان للفن مضموناً معرفياً مزدوجاً، معرفة الوجود من جوانب القيم المتضمنة فيه، معرفة الفنان بذاته، والتي تعبر عن نسق من التقييمات للعالم الحقيقي ذات طابع شخصي واجتماعي (طبقية) يتميز الفن بجدلية ادراك العالم الحقيقي وتقييمه معاً.
لا يكمن الفرق بين الادراك العلمي والادراك الفني في ذات الادراك وحسب، بل وفي اسلوب ادراك الواقع واستيعابه ايضاً. فبينما يتم الادراك العلمي بشكل مجرد ومنطقي، فانه في الفن ملموس ومجازي. الفكر العلمي يعمل وفق مقولات منطقية (مفاهيم، احكام، استنتاجات، الخ)، بينما الفن يعيد انتاج الواقع في صورة فنية تتميز ببداهتها الحيوية، بطابعها الحسي الملموس وتأثيرها المباشر على احاسيس الانسان، على بصره وسمعه. وفي ذات الوقت، فان الصورة الفنية ليست تأملاً فحسب، انها تعميم فني يخترق جوهر الأشياء ويكشف الستار عن اعمق معاني احداث الحياة. فالصورة الفنية التحام جدلي بين التأمل الحيوي والتفكير المجرد معطاة بشكل حسي ملموس معبر جمالياً.
مراحل التعميم الفني:
من الممتع ان نلاحظ أن الحقائق التي قدمها علم النفس والعلوم الفيسيولوجية ونظرية المعلومات، نظهر أن قدرة الانسان على انتقاء المعلومات التي يتلقاها وتأطير هذه المعلومات، وكذلك قدرته على تعميم انطباعاته عن الواقع تتوضع عند مستوى الادراك الحسي. وربما تعيننا السمات العديدة الخاصة بالتعميم عند مستوى الادراك الحسي كمقدمات منطقية لدراسة الطبيعة المتميزة للتعميم الفني.
(أول ما نعتاد وأكثر ما نألفه في حياتنا هو الاحساس، وبه يتحتم تمييز النوعيات كذلك). عند مرحلة الاحساس يتخذ التعميم شكل التشبيه، الذي يتميز من جهة، بكون التعميم يتم طبقاً لخاصية ثابتة مؤكدة، ويتميز من جهة ثانية بواقع أن الاختيار والتحديد في الحس يتمان طبقاً للمبدأ المفضل والأكثر متعة في حياة الانسان-نشاطه وحاجاته. ان هذه شهادة تؤكد حقيقة ان انتقاء تأثيرات الواقع وتحديدها، انتقاء وتحديداً اولياً لاواعياً، يتمان مصحوبين بعلاقة خاصة بين الانسان والموضوع، وبتقييم أولي للموضوع. ان فعل الانتقاء ذاته امر جوهري، اذ من خلاله يتقرر ما هو ضروري للانسان.
في ذات الوقت، فان التعميم او التشبيه عند مستوى الاحساس ليس أولياً ومجازياً وحسب، بل انه لكذلك ظاهرة رامزة غير مجازية، ومجردة تعبر عن خاصية خارجية عامة لم تعزل بعد عن الموضوع المفرد، انما تمثل التعميم الأولي لتجربة الانسان الاجتماعية، بما في ذلك تجربة استيعاب اشارات اللون والصوت الوافدة من العالم الخارجي.
ولكي نكتشف الضرورات الموضوعية للتعميم الفني، من المهم للغاية ان لا نغفل العديد من خواص التعميم في مرحلة الادراك، وقبل كل شيء خاصية (مبدأ التطور) التي تتسم بالتشكل الدينامي للصورة عن طريق التماسك المؤقت والانفعالات وتركيب الأجزاء المنفصلة التي تربط الفطرة السليمة فيما بينها.
ان دور التعميم وطابعه، امران جوهريان في سيرورة الادراك، بحيث أن العديد من الباحثين وعلى رأسهم علماء النفس، قد ادخلوا مفهوم (الادراك المنتج)، قياساً على مفهوم (التفكير المنتج). وبموجب هذه النظرة، تستكمل مسألة تشكيل صورة لموضوع ما بمسألة ولادة صورة لموضوع جديد. وتكرس الدراسات لتشخيص، ليس عملية ادراك الشكل وحسب، بل وعملية رؤية شكل جديد كذلك، أي عملية تشكل الصورة اثناء عملية الادراك.
اثناء الادراك المنتج وولادة صورة جديدة هناك اسهام هام على وجه الخصوص يؤديه النظام البصري للانسان، ولا يقتصر هذا الاسهام على اعادة انتاج الواقع، فالنظام البصري ينفذ مهام انتاجية مهمة جداً، اذ ان المفاهيم المتداولة مثل التفكير البصري، أو (التخيل البصري)، ليست بالقطع تمفاهيم مجازية.
تبين الدراسات السيكولوجية التي اجريت على نشاطات النظام البصري ان عملية الادراك تتضمن اكتشاف ثم عزل نتف من المعلومات التي تتطابق وأهداف النشاط، ومعاينة المعلومات المعزولة ثم التركيب الفعلي للصورة. ان أهم سمات الادراك هي القدرة على اعادة بناء الصورة والنماذج المدركة للعالم الخارجي والقدرة على تغيير طرق تركيبها وتشخيصها، فموضوع واحد، يمكن أن يصلح كنموذج أولي لعدد من الصور المدركة.
لدى تطور الادراك على حده، يطور مختلف الأشخاص معاييرهم الخاصة للتطابق ويشكلون مواقف يطلق عليها اسم رؤية فردية للعالم. فالنشاطات البصرية القائمة على تجربة ادراكية سابقة تقوم مقام تصرفات حقيقية وتتضمن عناصر التوليد واشارك في تحقيق مهام سيكولوجية أكثر تعقيداً مثل التذكر والتفكير.
للتعميمات عند مستوى الفكرة طابع ابداعي، انها تلك الملاحظات عن الحياة، التي تفيد كأساس للخطة الأولى نحو تحقيق قصده الابداعي، وعند هذه المرحلة يظهر الموقف التقييمي الجمالي كسمة نوعية متميزة للصورة الفنية، وتقوم الفكرة بدور الصلة التي تربط تجربة الفنان الاجتماعية، وظاهرة الواقع التي تم ادراكها.
وتتميز مرحلة التعميم المجرد، التعميم في اطار المفاهيم، بالنشاط التحويلي الذي تتم خلال سيرورته خطوة نوعية جديدة في عملية الادراك، تتمثل في الانتقال من الاشارة-الصورة-الاشارة-الفكرة، محولة بذلك الوحدة التناقضية بين العام والخاص الى الكلي. يتميز التعميم في اطار المفاهيم بالمزيد من تحديد الوقائع المستقاة من الواقع، ويعرف هذا في علم النفس ب(مبدأ القمع) اذ يفضي الى انتقاء أكثر المضامين جوهريةً وصولاً لتفكير تصوريس وطرح نظريات علمية. ويستفيد الفن من بقايا تلك الصورة الحسية الملموسة التي تخلفت اثر عملية التفكير التصوري، تلك البقايا التي بحكم مباشرتها وبداهتها لا يمكن ان تتحول الى مفهوم مجرد، فتشكل الأساس ل(لغة ثانية).
من الواضح ان الرسم البياني السالف الذكر لعملية التعميم، شرطي في طابعه: فهو ينقسم الى مراحل، بينما الادراك كما هو معلوم، يتميز بتماسكه وبالتداخل المتبادل ما بين العناصر الحسية والعقلانية.
فالنشاط في الفن، لا يرتبط بشخصية سلبية عاكسة، بل بشخصية مبدعة، يتحتم نشاطها بسيرورة الادراك على مستوى المعرفة المتراكمة من جهة، وبالقدرة الانتاجية للخيال المبدع لدى الفنان من جهة اخرى.
ان دراسة طبيعة الادراك وجوهر الصورة الفنية يجب أن تدمج تحليل الابداع والنشاط الذاتي للفنان مع تحليل انجازه للحقيقة الفنية. فما يحصل في الفن، هو خيال مبدع من جهة، يتحقق في شكل فني زاخر بالفكر، ومن جهة ثانية، شكل خاص من العمل يجسد ثمار الخيال المبدع، الا أن دراسة هذا الجانب من الابداع الفني قضية مستقلة.

من كتاب (البيولوجي والاجتماعي في الابداع الفني)، مقالات لمجموعة من الفلاسفة السوفييت.
ترجمة، محمد سعيد مضية.





التعليقات


إضافة تعليق